محمد بن جرير الطبري

204

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فقد أبان تأويلُ من ذكرنا تأويلَه من أهل التأويل قوله : " إلا الذين ظلموا منهم " ، عن صحّة ما قلنا في تأويله ، وأنه استثناءٌ على مَعنى الاستثناء المعروف ، الذي ثبتَ فيهم لما بعدَ حرف الاستثناء ما كان منفيًّا عما قبله . ( 1 ) كما قولُ القائل ( 2 ) " ما سَارَ من الناس أحدٌ إلا أخوك " ، إثباتٌ للأخ من السير ما هو مَنفيٌّ عن كل أحد من الناس . فكذلك قوله : " لئلا يكونَ للناس عليكم حُجة إلا الذين ظلموا منهم " ، نَفى عن أن يكون لأحد خُصومةٌ وجدلٌ قِبَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوى باطلٍ عليه وعَلى أصحابه ، بسبب توجُّههم في صلاتهم قبل الكعبة - إلا الذين ظلموا أنفسهم من قريش ، فإن لهم قبلهم خصومةً ودعوى باطلا بأن يقولوا : ( 3 ) إنما توجهتم إلينا وإلى قبلتنا ، لأنا كنا أهدى منكم سبيلا وأنكم كنتم بتوجهكم نحو بيت المقدس على ضلال وباطل . وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الحجة من أهل التأويل ، فبيِّنٌ خطأُ قول من زعم أن معنى قوله : " إلا الذين ظلموا منهم " : ولا الذين ظلموا منهم ، وأن " إلا " بمعنى " الواو " . ( 4 ) لأن ذلك لو كان معناه ، لكان النفيُ الأول عن جميع الناس - أنْ يكون لهم حُجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تحوُّلهم نحو الكعبة بوجوههم - مبيِّنًا عن المعنى المراد ، ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك : " إلا الذين ظَلموا منهم " إلا التلبيس الذي يتعالى عن أن يُضافَ إليه أو يوصف به . ( 5 ) هذا مع خروج معنى الكلام = إذا وجّهت " وإلا " إلى معنى " الواو " ، ومعنى

--> ( 1 ) في المطبوعة : " الذي يثبت فيهم لما بعد حرف الاستثناء ما كان منفيًا عما قبلهم " ، وهو خطأ صرف ، والصواب ما في المخطوطة . ( 2 ) في المطبوعة : " كما أن قول القائل " ، زادوا " أن " لتكون دارجة على نهجهم ، والصواب ما في المخطوطة . ( 3 ) في المطبوعة : " ودعوى باطلة " في الموضعين . وانظر ما سلف : 201 تعليق : 3 . ( 4 ) زاعم هذا القول هو أبو عبيدة في مجاز القرآن : 60 - 61 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 89 - 90 . ( 5 ) رد الطبري على أبي عبيدة أمثل من رد الفراء وأقوم .